زيارات الرئيس للداخل.. بين هتافات الولاء ومطالب التنمية /تحليل/ احمد الدوه

15 سبتمبر, 2026 - 14:27

في كل مرة يزور فيها رئيس الجمهورية الداخل، يتكرر المشهد ذاته: مواكب ضخمة، لافتات، هتافات، شعارات تمجّد الرئيس، ووجوه تتنافس في إظهار الولاء، حتى تكاد الزيارة تتحول من مناسبة للوقوف على أحوال المواطنين إلى مهرجان سياسي وفولكلوري متكرر.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل جاء الرئيس ليستمع إلى المواطنين ويرى واقعهم، أم جاء ليشاهد الصورة التي أُعدت له مسبقًا؟
لقد أصبح هذا المشهد مملًا للمواطن، ومسيئًا لفكرة الدولة نفسها. فالرئيس لا يحتاج إلى آلاف الأصوات التي تقول له إنه عظيم، بقدر حاجته إلى صوت واحد صادق يقول له أين أخفقت الحكومة، وأين تعثرت المشاريع، وأين ما زال المواطن ينتظر الماء والكهرباء والطريق والمدرسة والمستشفى.
أما إذا كان البعض يرى في كل زيارة فرصة لرفع شعار المأمورية الثالثة، فإن من حق المواطن أن يسأل: مأمورية ثالثة من أجل ماذا؟
هل من أجل مزيد من الهتافات والاستقبالات؟ أم من أجل مرحلة تنموية جديدة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية؟
المأمورية الثالثة، إن أصبحت موضوعًا للنقاش السياسي، لا ينبغي أن تختزل في صور الاستقبال ولا في حجم الحشود ولا في عدد اللافتات. بل يجب أن تكون مناسبة لطرح السؤال الأكبر: ماذا تحقق خلال المأموريتين؟ وماذا بقي؟ وماذا نريد من المرحلة المقبلة؟
فالمواطن في الداخل لا يعيش على الشعارات.
هو يريد ماءً يصل إلى منزله، وكهرباء لا تنقطع، وطريقًا يربط مدينته بمراكز البلاد، ومدرسة تحفظ لأبنائه حقهم في التعليم، ومركزًا صحيًا يجد فيه العلاج، وسوقًا لا تنهشه الأسعار، وفرصًا للشباب، ومشاريع تنموية لا تبقى حبرًا على ورق.
هذه هي المأمورية التي ينتظرها المواطن، قبل أي مأمورية أخرى.
والمشكلة ليست في أن يرحب المواطن برئيس الجمهورية أو يعبر عن دعمه له؛ فهذا حق طبيعي. المشكلة تبدأ عندما تتحول الزيارة الرئاسية إلى عملية إخراج جماعي، تُخفي الواقع بدل أن تكشفه، وتقدم للرئيس صورة مثالية عن مناطق ما زالت تعاني من اختلالات تنموية وخدمية واضحة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام سياسي هو أن يصبح المسؤول المحلي خائفًا من نقل الحقيقة إلى القيادة، وأن يصبح المواطن مضطرًا إلى تزيين مطالبه حتى لا يُتهم بالخروج عن الصف.
الرئيس بحاجة إلى الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.
بحاجة إلى أن يرى المستشفى في يوم عادي، والمدرسة دون زينة الزيارة، ومحطة الكهرباء في ساعات الأزمة، وشبكة المياه في أوقات الانقطاع، والطريق في موسم الأمطار، وأن يجلس مع المواطن الذي لا يملك نفوذًا ولا قبيلة ولا حزبًا ولا مسؤولًا يحمل ملفه.
هناك فقط يمكن أن يعرف الرئيس الفرق بين ما يُكتب في التقارير وما يعيشه الناس على الأرض.
وإذا كانت هناك إنجازات حقيقية، فإن أفضل احتفال بها أن يتحدث عنها المواطنون أنفسهم. وإذا كانت هناك إخفاقات، فإن الاعتراف بها ليس خيانة ولا تشاؤمًا، بل هو أول طريق الإصلاح.
أما أن نضع أمام الرئيس جدارًا من الهتافات، ثم نطالبه باتخاذ قرارات صحيحة بشأن التنمية، فذلك أشبه بمن يطلب من الطبيب تشخيص المريض بعد أن أخفى عنه الأعراض.
إن زيارات الرئيس للداخل يجب أن تتحول إلى زيارات تنموية حقيقية: تفقد للمشاريع، ومساءلة للمسؤولين، واستماع مباشر للمواطنين، وتحديد لأولويات كل ولاية ومقاطعة، مع آجال واضحة لتنفيذ ما يتم التعهد به.
وإذا كان أنصار المأمورية الثالثة يريدون إقناع المواطنين بها، فليبدأوا من هنا: الماء، الكهرباء، الطرق، الصحة، التعليم، التشغيل، الأمن، ودعم الاقتصاد المحلي.
فلا شيء يقنع المواطن باستمرار أي مشروع سياسي مثل أن يرى أثره في حياته.
موريتانيا لا تحتاج إلى مزيد من المبالغة في الولاء للأشخاص، وإنما تحتاج إلى ترسيخ الولاء للدولة والمؤسسات.
ولا تحتاج إلى مسؤول يقول للرئيس ما يحب أن يسمعه، وإنما إلى مسؤول شجاع يقول له ما يحتاج إلى معرفته.
ولا تحتاج إلى زيارات تُجمّل الواقع، وإنما إلى زيارات تكشفه.
فإذا كانت هناك مأمورية ثالثة يُراد لها أن تولد من الداخل، فلتولد أولًا من مطالب السكان، ومن حاجاتهم، ومن حقهم في التنمية والعدالة والخدمات، لا من مكبرات الصوت ولا من اللافتات.
لقد آن الأوان أن نكسر هذه الحلقة.
فالرئيس لا يحتاج إلى التصفيق كي يعرف أنه رئيس، وإنما يحتاج إلى الحقيقة كي يعرف كيف يحكم.
والداخل الموريتاني لا يحتاج إلى فولكلور جديد، بل إلى تنمية حقيقية تُرى وتُلمس ويشعر بها المواطن.