
متى تكون زيارة الرئيس ناجحة؟
زيارة فخامة رئيس الجمهورية المنتظرة لولاية آدرار عامة ولمدينتي مدينة شنقيط التاريخية خاصة؛ حدث كبير يستحق ما أظهره سكان الولاية من اهتمام وترقب واستعداد..
لقاءات واجتماعات أطر الولاية عموما والمقاطعة خصوصا تمهيدا واستعدادا وتحضيرا لهذه الزيارة كلها أمور مطلوبة ومرغوبة ومفهومة.
فالزائر هو أعلى سلطة في البلد كله، وهو صاحب الحل والربط والقرار، وهو المسؤول الأول عن مصالح الناس وأحوالهم، وهو الأقدر على حل مشكلاتهم ومعالجة همومهم وتلبية طلباتهم وتجسيد طموحاتهم، بل وهو المسؤول الأول عن كل ذلك بحكم العهد الذي بينه وبين الله، والعهود التي بينه وبين الناس.
ولذلك فإن ما يشدد عليه الأطر والناشطون السياسيون من ضرورة العمل على "إنجاح" هذه الزيارة هو فعلا ما يجب أن يكون شعار كل هذه التحركات والنشاطات ودثارها وعنوانها وغايتها..
لكن كيف تكون هذه الزيارة ناجحة، وكيف لا تكون كذلك؟؟... هذا هو السؤال الأهم والذي لم أجد أحدا من رموز هذه الواجهات السياسية والاجتماعية يثيره أو يهتم به!!
-- إن نجاح الزيارة لن يكون في تمكن السكان من إثبات دعمهم للنظام والرئيس؛ فمنذ تأسست دولتنا وغالبية شعبنا لم تتردد يوما في تأكيد ولائها وتأييدها لكل رئيس حكم وتعلقها الدائم به وبتوجيهاته النيرة وخياراته، وبحكومته المكلفة بتنفيذ برامجه وتعهداته وتوجيهاته..
وليس فخامة الرئيس بدعا من الرؤساء، وهو يعلم علم اليقين أن نصيبه وافر ومحفوظ من كل ما كان نصيبا وافرا ومحفوظا للرؤساء الذين سبقوه
-- كما أن نجاح هذه الزيارة لن يكون في حسن الاستقبال ولا كرم الضيافة أيضا، لأن القادم هو رئيس الدولة وسيد البلد كله؛ فلا يمكن أن يكون ضيفا على شعب يحكمه، بل الأصح هو أن يكون كل مواطن ضيفا في مكانه على رئيسه، ويكون هذا الأخير هو الأجدر بإكرام مواطنيه وخدمتهم والإحسان إليهم، وليس العكس، اللهم إلا أن تكون زيارة الرئيس هي زيارة استجمام وسياحة لا صفة رسمية لها؛ فتلك مسألة مختلفة؛ لكنه وصف لا ينطبق على هذه الزيارة المنتظرة.
-- كما لن يكون نجاح هذه الزيارة في تمكننا من إعادة إنتاج خطاب التملق والتزلف الأخرق، ومن خلال تأليه فخامته واختصار مشاغل الناس واهتماماتهم ومطالبهم في أن يتم الخروج على دستور البلاد والعبث به من أجل ربط مصير بلد بذات شخص واحد!!
-- كما لن يكون نجاح هذه الزيارة في وضع الحواجز بين عامة الناس وبسطائهم وأصحاب الحاجات فيهم. وبين الرئيس؛ حتى لا يعرف عن حقيقة حالهم ومعاناتهم شيئا؛ رغم أن معرفة حقيقة أحوال البلاد والعباد هي الهدف المنطقي الأسمى والأهم لكل زيارة تفقد يقوم بها أي مسؤول عمومي؛ أحرى أن يكون رئيس الجمهورية نفسه!!
وعليه فلتخرس جميع الأصوات التملقية المخادعة التي تعود المغالطون رفعها في مثل هذه المناسبات بزعم أنه ليس من إكرام الضيف أن تسأله أو تحدثه عن مشاكلك أو أن تثقل عليه بالشكوى، وأن علينا أن نركز فقط على الترحيب بالضيف الكبير وعلى شكره وذكر إنجازاته التي تحققت للمدينة وللولاية وللبلد كله؛ رغم أن تلك الإنجازات هي ما لم يتوقف المسؤولون العموميون عن عدها والتذكير بها حد المن وشيء قريب من الأذى؛ بمناسبة وبدون مناسبة، وفي مختلف وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية؛ ورغم كون الزائر رئيسا حاكما لا ضيفا لاجئا، والمزور شعبا محكوما لا مضيفا متصدقا أو محسنا مؤْثرا!!
إن نجاح هذه الزيارة لا يكون إلا إذا مكنت فخامته من أخذ صورة صادقة وواضحة عن أوضاع الولاية وسكانها: عن حاجاتها وحاجاتهم، عن مقدراتها ومقدراتهم، عن قيمة ومستوى الخدمات العامة المقدمة لهم، وعن مدى كفاءة والتزام ومصداقية المسؤولين العموميين الذين يديرون شؤونهم ويقدمون خدمات المرافق العمومية لهم..
بمثل هذا نُنجح الزيارة فعلا لا قولا، ونُرضي الزائر ونثبت جديتنا وصدقنا في دعمه ومساندته ومساعدته على الوفاء بالتزاماته وتجسيد تعهداته وتنفيذ برامجه المعلنة وتوجيهاته المكررة...
وإن الهموم لكبيرة، والتحديات لجسيمة؛ إذ المعيشة غالية، والشباب يعاني البطالة والعطالة. كما أن التهميش والتمييز واقعان ماثلان على أكثر من صعيد، والجفاف والتصحر يضعان الولاية ومستقبلها على كف عفريت مرعب.. وأطر الولاية وكفاءاتها ما بين مهمش ومستهدف بالتهميش والإقصاء والإبعاد..
ووو.. إلى غيره مما يشكوه السكان فعلا، ويتحدثون عنه في مجالسهم الخاصة والعامة، بينما يمنعهم متصدرو المشهد وحراس المعبد السياسي من البوح به علنا أو التعبير عنه على مسمع من هو الأحق بسماعه والاطلاع عليه!!
حين يتم الوعي بهذا الأمر والقيام بما يترتب عليه؛ فلا إشكال حينئذ ولا مؤاخذة في الحديث عن الإنجازات المتحققة والاعتراف بها وتثمينها والإشادة بها. فذلك هو ما تقتضيه الموضوعية والالتزام والشعور بالمسؤولية المشتركة بيننا جميعا؛ في وطن هو لنا جميعا، واتجاه سلطة هي سلطة علينا جميعا، ورئيس هو رئيسنا جميعا، وحكومة مسؤولة عن مصالحنا وعن خدمتنا جميعا..
أسأل الله العظيم أن تكون هذه الزيارة من أنجح الزيارات، وأن تكون فاتحة خير على الولاية، وبابا مفتوحا على مزيد من الإنجازات وتجاوز العقبات، وتصحيح الأخطاء والممارسات..
وما ذلك على الله بعزيز.

