
في السابع من أكتوبر، لم يكن المشهد الفلسطيني أمام جولة جديدة من جولات الصراع المعتادة، بل أمام حدث استثنائي أعاد القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد الإقليمي والدولي، وفرض على الجميع إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت الصراع طوال عقود.
لقد مثّل طوفان الأقصى لحظة فارقة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، ليس فقط بحجم المفاجأة التي أحدثها، وإنما بما كشفه من قدرة على التخطيط، والعمل السري، وتنسيق الوحدات، واستثمار عنصر المباغتة، واختيار التوقيت المناسب لضرب منظومة عسكرية وأمنية كانت تُقدَّم لسنوات باعتبارها من الأكثر تحصيناً في المنطقة.
#ملحمة بدأت بالمفاجأة
تكمن أهمية طوفان الأقصى في أن المقاومة استطاعت، في الساعات الأولى، تجاوز منظومة أمنية وعسكرية معقدة، والوصول إلى مواقع كانت تُعد جزءاً من منظومة الحماية الإسرائيلية.
وبغض النظر عن اختلاف المواقف السياسية من العملية، فإن أحد أبرز دروسها العسكرية يتمثل في أن التفوق التكنولوجي لا يعني بالضرورة القدرة على منع المفاجأة الاستراتيجية، وأن الجيوش مهما بلغت قوتها يمكن أن تتعرض لاختراق عندما تفقد القدرة على قراءة خصمها وفهم دوافعه وطرائق تفكيره.
لقد كشفت العملية كذلك أهمية السرية والانضباط العملياتي، إذ إن نجاح أي عمل بهذا الحجم يتطلب، قبل التنفيذ، قدراً كبيراً من التخطيط والصبر وتقليل دائرة المعرفة بالتفاصيل، إلى جانب القدرة على الجمع بين العمل الاستخباراتي والميداني.
#التخطيط والتنفيذ.. عندما يصبح عنصر المفاجأة سلاحاً
لم يكن نجاح العملية مرتبطاً بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بتكامل عناصر متعددة: جمع المعلومات، دراسة نقاط الضعف، التدريب، تحديد الأهداف، اختيار التوقيت، وإدارة العمليات في ظروف بالغة التعقيد.
ومن أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها أن المقاومة غيرت، ولو مؤقتاً، معادلة كان الاحتلال يراهن فيها على التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي والحواجز الإلكترونية باعتبارها كافية لمنع أي اختراق.
كما أظهر مسار الحرب اللاحقة أن الحروب الحديثة لا تُحسم دائماً بسرعة، وأن امتلاك الطرف الأقوى ترسانة ضخمة من الطائرات والصواريخ والتقنيات المتقدمة لا يلغي أثر البيئة الجغرافية، والحرب غير المتكافئة، والقدرة على الصمود، وتعدد ساحات الاشتباك.
من معركة غزة إلى صراع إقليمي
بعد السابع من أكتوبر، لم تعد غزة وحدها ساحة الحرب.
فقد اتسع نطاق المواجهة السياسية والعسكرية في المنطقة، وبرز ما يُعرف بمحور المقاومة باعتباره شبكة من القوى والحركات التي تربطها مواقف مشتركة تجاه إسرائيل والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، مع اختلاف ظروف كل طرف وأهدافه وقدراته.
وهنا برزت إحدى أهم نتائج الحرب: تحول القضية الفلسطينية من ملف سياسي محصور في حدود المفاوضات إلى عامل مؤثر في الحسابات الأمنية والاستراتيجية للمنطقة بأكملها.
كما أن استمرار الحرب لفترة طويلة فرض على إسرائيل استنزافاً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وأعاد طرح أسئلة داخلية وخارجية حول جدوى استمرار العمليات العسكرية، ومستقبل غزة، وشكل العلاقة بين الأمن الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.
#دعم محور المقاومة.. بين وحدة الساحات واختلاف الحسابات
أحد المفاهيم التي اكتسبت حضوراً أكبر خلال هذه الحرب هو مفهوم وحدة الساحات، حيث أصبحت جبهة غزة مرتبطة، بدرجات مختلفة، بجبهات أخرى في المنطقة.
وقد منح هذا الترابط المقاومة الفلسطينية عمقاً سياسياً واستراتيجياً، لكنه في الوقت نفسه جعل المنطقة أكثر عرضة لخطر اتساع الحرب وتحولها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين التضامن السياسي مع فلسطين وبين الحسابات الخاصة بكل قوة إقليمية؛ فلكل طرف أولوياته ومصالحه وقدراته، وليس من الدقة التعامل مع المنطقة باعتبارها جبهة واحدة متجانسة بالكامل.
الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران.. مرحلة أخطر
ومع انتقال المواجهة إلى مستوى مباشر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن الصراع دخل مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً.
فإيران ليست مجرد طرف هامشي في معادلة المنطقة، بل دولة ذات قدرات عسكرية وصاروخية ونفوذ إقليمي واسع. ولذلك فإن أي مواجهة مباشرة معها لا يمكن فصلها عن تداعياتها المحتملة على العراق ولبنان واليمن وسوريا وفلسطين، وعلى أمن الملاحة والطاقة والاقتصاد العالمي.
ومن هنا، فإن استمرار الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران يحمل احتمالين متناقضين: إما أن يؤدي الضغط العسكري إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك والتوصل إلى ترتيبات جديدة، أو أن يؤدي التصعيد إلى توسيع دائرة الحرب وفتح جبهات إضافية يصعب التحكم في مسارها.
#ماذا يعني ذلك لفلسطين والمقاومة؟
في الحساب الفلسطيني، تبدو التداعيات مزدوجة.
فمن جهة، يؤدي انشغال القوى الكبرى بالمواجهة الإقليمية إلى إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الملفات الأمنية والسياسية، ويمنح المقاومة مساحة أوسع للمناورة السياسية، خصوصاً إذا استمر صمودها في الميدان.
ومن جهة أخرى، فإن اتساع الحرب الإقليمية قد يحوّل الأنظار عن المأساة الإنسانية والسياسية في غزة، ويجعل القضية الفلسطينية جزءاً من صراع إقليمي أوسع، بدلاً من أن تبقى جوهر المشكلة التي ينبغي أن تجد حلاً عادلاً.
ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين هو ألا تضيع القضية الأصلية وسط الحسابات الإقليمية والدولية.
#الدروس المستخلصة
بعد سنوات من طوفان الأقصى، يمكن تسجيل عدد من الدروس الكبرى:
أولاً: لا توجد منظومة أمنية محصنة بصورة مطلقة، مهما بلغت التكنولوجيا المستخدمة فيها.
ثانياً: عنصر المفاجأة والتخطيط السري يمكن أن يقلبا موازين المعركة في مراحلها الأولى.
ثالثاً: التفوق العسكري لا يضمن وحده حسم الحروب، خصوصاً عندما تكون المواجهة مع طرف يمتلك القدرة على الصمود والاستنزاف.
رابعاً: الحروب الحديثة أصبحت متعددة الجبهات، وأي مواجهة في الشرق الأوسط يصعب عزلها تماماً عن بقية الملفات الإقليمية.
خامساً: القوة العسكرية، مهما كانت كبيرة، لا تستطيع وحدها إنتاج حل سياسي دائم للقضية الفلسطينية.
سادساً: استمرار الانقسام الفلسطيني يمثل نقطة ضعف استراتيجية، بينما توحيد الموقف الفلسطيني حول الثوابت الوطنية يمكن أن يحول الصمود الشعبي والعسكري إلى مكاسب سياسية.
فلسطين بعد الطوفان
يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟
لقد تغيرت صورة المنطقة، وتبدلت حسابات كثيرة، لكن جوهر القضية لم يتغير: شعب فلسطيني يطالب بالحرية والحقوق الوطنية، وأرض ما زالت في قلب الصراع، ودولة فلسطينية لم تتحول بعد إلى واقع مكتمل السيادة.
ومن هنا فإن القيمة التاريخية لطوفان الأقصى لن تقاس فقط بما حدث في يومه الأول، ولا بعدد العمليات العسكرية التي تلته، وإنما بما إذا كان قادراً على إنتاج تحول طويل الأمد في معادلة الصراع.
فالمقاومة تستطيع أن تغيّر معادلات القوة، لكنها تحتاج إلى رؤية سياسية قادرة على تحويل الإنجازات الميدانية إلى مشروع وطني جامع.
أما إسرائيل، فإن استمرارها في الاعتماد على القوة وحدها لن يلغي جذور القضية، كما أن الدعم الأمريكي مهما اتسع لن يستطيع إلى الأبد معالجة التناقض الأساسي بين الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
خاتمة
سيبقى السابع من أكتوبر محطة مفصلية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، سواء اتفق المرء مع أدواته أو اختلف معها. فقد أنهى مرحلة من اليقين الإسرائيلي، وفتح مرحلة جديدة عنوانها أن الصراع لم يُحسم، وأن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها أو دفنها تحت ركام الاتفاقيات المؤقتة.
وفي المقابل، فإن التحدي الحقيقي أمام المقاومة والقوى الداعمة لفلسطين لا يتمثل فقط في القدرة على خوض المعركة، بل في القدرة على الصمود، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة الصف، وبناء رؤية سياسية تستثمر التحولات الإقليمية دون أن تفقد القضية الفلسطينية استقلال قرارها وأولوياتها.
وبين طوفان الأقصى والحرب الإقليمية المتصاعدة، تبدو المنطقة أمام مرحلة تاريخية مفتوحة على احتمالات عديدة. لكن الثابت أن القضية الفلسطينية عادت بقوة إلى مركز الصراع، وأن أي ترتيبات إقليمية جديدة لن تكون مستقرة ما لم تجد هذه القضية طريقها إلى حل عادل ودائم يحفظ للشعب الفلسطيني حقوقه وكرامته وحريته.

