
منذ أن عرف الإنسان السياسة، عرف معها أساليب التأثير في الرأي العام، ومن بينها سياسة الإلهاء والتضليل؛ أي إشغال الناس بقضايا جانبية أو صاخبة، بحيث تتراجع القضايا الجوهرية والأسئلة الأساسية المتعلقة بإدارة الدولة، والمال العام، والخدمات، والمساءلة، إلى الصفوف الخلفية.
وهذه الظاهرة ليست مرتبطة بدولة أو منطقة بعينها، فقد عرفتها أنظمة سياسية مختلفة، وبدرجات متفاوتة. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت عملية الإلهاء أكثر سهولة وسرعة؛ إذ يكفي تصريح مفاجئ من سياسي، أو تدوينة من مدوّن أو مؤثر، أو موقف من رجل دين، أو قصيدة لشاعر، أو قضية اجتماعية مثيرة، حتى يشتعل النقاش العام لساعات أو أيام.
ثم تظهر قضية جديدة، فتنسخ سابقتها من واجهة المشهد، وينتقل اهتمام الجمهور من ملف إلى آخر، قبل أن يعرف مصير القضية الأولى.
وهنا تبدأ مشكلة الإلهاء.
المشكلة ليست في أن يناقش المواطن هذه القضايا، فحرية التعبير والنقاش العام حق أصيل، وليست كل قضية جديدة بالضرورة مفتعلة أو جزءاً من خطة مدروسة. وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول القضايا المتلاحقة، بما تثيره من ضجيج، إلى بديل عن القضايا الكبرى التي تمس حياة المواطنين ومستقبل الدولة.
في موريتانيا، شهدنا خلال الفترة الأخيرة نقاشات واسعة حول ملفات شديدة الأهمية، من بينها الحديث عن استرجاع مليارات وأموال مرتبطة بملفات فساد، وأزمة الكهرباء، وتشكيل لجنة للتحقيق في أسباب الأزمة، إضافة إلى ما أثير بشأن تقارير تتعلق بتبديد أو اختلاس المال العام، وما آلت إليه تلك الملفات.
لكن السؤال الذي يستحق أن يبقى حاضراً هو:
أين أصبحت هذه القضايا اليوم؟ وما الذي انتهت إليه؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل وصلت التحقيقات إلى نتائج معلنة وواضحة أمام الرأي العام؟
ثم ظهرت قضية «مدوّني الخارج»، فأصبحت حديث الناس والمنصات، وتراجعت معها ملفات أخرى كانت تحتل صدارة النقاش.
وهنا لا يعني طرح السؤال أن قضية «مدوّني الخارج» غير مهمة، ولا يعني أن وراء كل حدث جديد جهة تخطط لإلهاء المواطنين؛ فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة، وليس إلى الظنون.
لكن من حق المواطن أن يسأل:
هل نحن الذين ننسى قضايانا الكبرى بسرعة؟ أم أن كثرة القضايا المتلاحقة تجعلنا ننتقل من ملف إلى آخر قبل أن نعرف مصير الملف السابق؟
الدولة لا تُدار بالترندات، ولا تُقاس جديتها بعدد التصريحات التي تشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما بما تحققه من نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
فأزمة الكهرباء يجب أن تبقى قضية حتى تُحل، والمال العام يجب أن تبقى قضيته مفتوحة حتى تظهر الحقيقة، وتقارير الرقابة والمحاسبة ولجان التحقيق يجب أن تحظى بالمتابعة، حتى يعرف المواطن أين ذهبت أمواله، ومن المسؤول عن أي تقصير أو تجاوز.
والأهم من ذلك أن الملفات التي تمس المصلحة العامة يجب ألا تختفي من الذاكرة الوطنية لمجرد أن قضية جديدة تصدرت المشهد.
المواطن الواعي لا يرفض مناقشة القضايا الطارئة، ولا يطالب بإسكات الأصوات أو تجاهل الأحداث، لكنه يرفض أن تكون كل قضية جديدة سبباً في نسيان القضية التي سبقتها.
الدولة لا تُدار بالترندات، ولا تُقاس جديتها بعدد التصريحات التي تشعل مواقع التواصل، وإنما بما تحققه من نتائج في حياة المواطن.
فالمشكلة ليست في كثرة ما نتحدث عنه، وإنما في ما الذي لا ينبغي أن ننساه.
والسؤال الأهم اليوم:
هل نناقش القضايا التي تصنع مستقبل الجمهورية، أم أننا نُستدرج، بإرادتنا أو بغير إرادتنا، إلى مطاردة عناوين تتغير كل يوم، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة؟
ربما لا نحتاج إلى مزيد من الضجيج، بقدر ما نحتاج إلى ذاكرة وطنية لا تنسى، ورأي عام لا يتخلى عن القضايا الكبرى قبل أن يعرف نهايتها.

