
في ذكرى استشهاد السيد حسن نصر الله، لا نستعيد مجرد اسم غاب، ولا نستحضر سيرة رجل رحل، وإنما نقف أمام تجربة إنسانية وسياسية ونضالية تركت بصمتها العميقة في وجدان أنصاره ومحبيه، وفي ذاكرة مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة.
لقد كان، في نظر جمهوره ومحبيه، رجلًا اختار أن يجعل من الموقف مسؤولية، ومن الكلمة عهدًا، ومن الثبات طريقًا لا تحكمه تقلبات اللحظة ولا حسابات المصلحة العابرة. ومنّ الله عليه بالقبول والمحبة في قلوب أنصاره ومحبيه، فغدا حضوره يتجاوز شخصه إلى رمز ارتبط في وجدانهم بالمقاومة والصمود.
كان السيد حسن نصر الله، بالنسبة إلى أنصاره ومحور المقاومة، أكثر من قائد؛ كان رمزًا لمرحلة كاملة، وصوتًا ارتبط لديهم بمواجهة الاحتلال والدفاع عن القضايا التي يؤمنون بعدالتها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومواجهة مشروعً للهيمنة والاستكبار.العالمي الصهيوامريكي
وظل السيد الشهيد حاضرًا في أصعب المنعطفات بلهجة الواثق، وإصرار من يعرف أن المواقف الكبرى لا تُقاس بسهولة الطريق، وإنما بحجم ما يترتب عليها من مسؤولية وتضحية وثمن.
ولعل من أبرز ما يُستحضر في سيرته اليوم معنى الإباء؛ أن يمتلك الإنسان شجاعة التعبير عما يؤمن به، وأن يتحمل تبعات مواقفه، وألا يجعل الخوف معيارًا لقراراته. فالرجال، في لحظات الاختبار، لا تُقاس مواقفهم بما يقولونه في أيام الرخاء، وإنما بما يفعلونه حين تضيق الخيارات، وتشتد الضغوط، ويصبح الثبات أكثر كلفة من التراجع.
لقد كان الرجل، في نظر أنصاره، مدرسة في الحضور والخطاب والقدرة على مخاطبة الجماهير. جمع بين صرامة الموقف ودفء اللغة، وبين قوة الشخصية وقربها من الناس، واستطاع أن يحول حضوره الشخصي إلى حالة رمزية تجاوزت حدود المكان والزمان.
وحين نتحدث عن الشجاعة، فإننا لا نعني شجاعة المواجهة وحدها، وإنما نعني كذلك شجاعة تحمل المسؤولية، وشجاعة الوقوف عند القرار، وشجاعة الوفاء لما يراه الإنسان حقًا، حتى عندما تصبح كلفة الوفاء باهظة.
وقد اختار أنصاره والمجاهدين طريقًا يرونه طريق ذات الشوكة، طريقًا حملوا فيه هموم أمتهم، وساروا في دروب المواجهة وهم يستحضرون شعارهم: «النصر أو الشهادة».
ومن هذا المنظور، يرون أن السيد حسن نصر الله ورفاقه قد جعلوا من قضية القدس وفلسطين عنوانًا ثابتًا في خطابهم ومواقفهم، ورفعوا شعار العزة والكرامة: «لن نترك فلسطين وحدها»، مؤكدين، من وجهة نظرهم، أن القضية الفلسطينية ليست شأنًا عابرًا، بل قضية أمة وضمير وعقيدة.
ثم جاءت الشهادة لتطبع خاتمة هذه السيرة بطابعها الأكثر مأساوية ورمزية؛ فقد رحل الرجل الذي عاش سنوات طويلة في قلب الصراع، وترك وراءه إرثًا سياسيًا ونضاليًا لا يزال حاضرًا في وجدان محبيه وأنصاره، وموضع قراءة ونقاش لدى خصومه ومراقبيه.
فالرحيل لا ينهي بالضرورة أثر الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم في وجدان الناس بمعانٍ كبرى. قد تغيب الأجساد، لكن تبقى السيرة والاثر، وتبقى المواقف، وتبقى الأسئلة التي أثارتها التجربة، وتظل الذاكرة شاهدة على مرحلة كاملة عاشها جيل بأكمله.
وفي زمن تتغير فيه المواقف بسرعة، وتصبح فيه المبادئ أحيانًا رهينة للظرف والمصلحة، تبدو سيرة الرجل، في نظر محبيه، تذكيرًا بأن للوفاء ثمنًا، وللشجاعة ثمنًا، وللكلمة الصادقة ثمنًا، وأن الإنسان لا يترك خلفه ما جمعه من جاه أو منصب بقدر ما يترك أثر مواقفه في ذاكرة الناس.
لهذا، فإن ذكرى استشهاد السيد حسن نصر الله ليست عند محبيه مجرد ذكرى موت، وإنما هي ذكرى رجل أراد أن يترك وراءه موقفًا لا مجرد اسم، وسيرة لا مجرد صورة، وأثرًا لا ينتهي بانتهاء صاحبه.
رحم الله من قضوا في هذا الطريق، وتقبلهم عنده من الشهداء والصالحين، وجمعهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقًا.
اللهم اجعل الشهيد حسن نصر الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وتجاوز عنه، وأكرم نزله، وارفع درجته، وألحقه بالذين انعم الله عليهم بالشهادة من آل بيته الطيبين الطاهرين .
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}.
صدق الله العظيم.
ولله الامر من قبل ومن بعد

