متى وُلدت الدولة الموريتانية؟.. سيدي محمد ولد محم يفتح باب الأسئلة عن «دولة لم تولد بعد»/أحمد ولد الدوه الشنقيطي

27 سبتمبر, 2026 - 18:01

تابعتُ تصريحًا حديثًا للوزير السابق سيدي محمد ولد محم يقول فيه إن «الدولة لم تولد بعد».
وإذا صحّ هذا التعبير، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: متى وُلدت الدولة؟ بل: أي دولة نريد أن نبني؟
موريتانيا دولة مستقلة منذ عقود، تعاقبت عليها أنظمة ورؤساء، ووُضعت لها دساتير، وأُنشئت مؤسسات، وأُجريت انتخابات، وتغيرت السلطة أكثر من مرة. فهل كانت كل هذه العقود مجرد مرحلة ما قبل الدولة؟ وهل كان ما راكمه الموريتانيون من تجارب ومؤسسات مجرد فراغ تاريخي ينتظر نظامًا أو شخصًا ليعلن ميلاد الجمهورية؟
الأمر هنا يتجاوز تصريحًا عابرًا، لأنه يفتح نقاشًا حول معنى الدولة نفسها.
هل هي الحاكم، أم المؤسسات التي تستمر بعد رحيله؟
هل هي الشخص الذي يقدم نفسه باعتباره «منقذ البلد» و«مؤسس الجمهورية الجديدة»، أم منظومة سياسية وقانونية تجعل الحاكم نفسه خاضعًا للدستور والقانون؟
فالمؤسسات لا تُقاس بقوة من يديرها، وإنما بقدرتها على الاستمرار بعيدًا عن الأشخاص. والدستور لا تكون قيمته في النصوص التي يحملها، بل في احترامها عندما تتعارض مع مصالح السلطة.
الأكثر إثارة للتساؤل أن صاحب هذه الرؤية ليس مراقبًا جاء من خارج المشهد؛ فقد كان ولد محم أحد أبرز الفاعلين والمنظرين السياسيين في أنظمة سابقة، وتولى مواقع حزبية وحكومية مهمة

وهنا يحق لنا أن نسأل:
إذا كانت الدولة لم تولد بعد، فما الذي كنا نبنيه طوال العقود الماضية؟

وهل نحتاج، مع كل تحول سياسي، إلى إعادة كتابة تاريخ الجمهورية، فنحوّل مرحلة إلى «ما قبل التأسيس» ونمنح المرحلة اللاحقة وحدها صفة الميلاد؟

المشكلة إذن ليست في إعلان ميلاد جديد، وإنما في المشروع الذي نريد أن نصل إليه.
نريد نظامًا لا يتوقف فيه حضور النخبة على قربها من السلطة، ولا تتبدل فيه المواقف بتبدل موازين القوة؛ نظامًا يكون فيه القانون فوق الجميع، والمؤسسات أوسع من الأشخاص، والمواطن صاحب حق لا تابعًا لصاحب نفوذ.

ولعل مقولة ابن خلدون الشهيرة: «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب» تستحق التأمل هنا. 

فعندما تنظر النخبة إلى القوة باعتبارها مصدر الشرعية، يتحول التكيف معها إلى فضيلة، والتطبيل لها إلى وسيلة للنفوذ، ثم يعاد إنتاج الخطاب نفسه مع كل سلطة جديدة.

وهكذا لا تتغير الثقافة السياسية، حتى عندما تتغير الوجوه.
لذلك، فإن الحديث عن «التأسيس» ينبغي ألا يتحول إلى ذريعة لتجاوز الدستور أو إعادة تشكيل قواعد الحكم وفق مقاس شخص أو مرحلة.
الجمهورية التي نريدها ليست جمهورية الأشخاص، بل جمهورية المؤسسات؛ وليست جمهورية الولاء، بل جمهورية القانون والمواطنة.

فإذا كان ثمة ميلاد جديد نحتاجه، فهو ميلاد ثقافة سياسية لا ترى الحاكم فوق المؤسسات، ولا ترى النخبة نفسها خادمة للسلطة، ولا ترى المواطن مجرد جمهور للتصفيق.

ويبقى السؤال:
هل نريد دولة تُبنى حول الحاكم، أم دولة يُبنى الحاكم نفسه داخلها وتحت سقف دستورها؟

تولانا بلطفه ورحمته

الفيس بوك

بث مباشر