
حين استحضر رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال حديثه أمام سكان ولاية آدرار، سؤال الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، رحمه الله: «ما هو الوطن الذي نسعى إليه؟ وما هي موريتانيا التي نريدها؟»، فإنه لم يستحضر مجرد عبارة من ذاكرة سياسية، بل أعاد إلى الواجهة سؤالًا تأسيسيًا ما تزال موريتانيا مطالبة بالإجابة عنه، بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال.
قال الرئيس إن موريتانيا تغيرت كثيرًا منذ أن طرح المؤسس ذلك السؤال؛ فقد تضاعف عدد السكان، وتطورت مؤسسات الدولة، واتسعت حاجات المجتمع، لكنه أكد أن السؤال ما يزال «واردًا ووجيهًا»، وأن الأجيال المتعاقبة تواصل البحث عن إجابته.
وهنا تكمن أهمية الاستحضار.
فموريتانيا التي نريدها لا تختزل في الطرق والمباني والمشاريع ومؤشرات النمو، بل تقوم قبل ذلك على دولة مؤسسات، ودولة قانون، ودولة مواطنة، ودولة ديمقراطية يكون فيها التداول السلمي على السلطة قاعدة دستورية وسياسية مستقرة.
لقد قطعت البلاد منذ الاستقلال مسارًا طويلًا، لكنه كان مضطربًا سياسيًا؛ تعاقبت الأنظمة والانقلابات والتغييرات في السلطة، وظلت مسألة ترسيخ المؤسسات الديمقراطية والتداول السلمي إحدى القضايا المركزية في مسيرة الدولة.
ومن هنا، فإن استحضار سؤال المؤسس اليوم ينبغي ألا يكون مناسبة للحنين إلى الماضي، بقدر ما هو فرصة لإعادة قراءة تجربة الدولة، بنجاحاتها وإخفاقاتها، وطرح سؤال أكثر تحديدًا: أي دولة نريد أن تحكم هذا الوطن؟
هل نريد دولة ترتبط قوة مؤسساتها بقوة الأشخاص، أم دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأفراد، والقانون فوق الجميع، والسلطة خاضعة للدستور؟
إن بناء الدولة لا يحتاج إلى إعادة اختراع مؤسساتها، بل إلى ترسيخ استقلالها وفاعليتها. برلمان يمارس صلاحياته، وقضاء مستقل يحمي الحقوق، وإدارة مهنية تقوم على الكفاءة لا الولاءات، وانتخابات تضمن حرية الاختيار وتكافؤ الفرص، وإعلام يستطيع أداء دوره الرقابي، ومعارضة تُعامل باعتبارها جزءًا أصيلًا من الحياة الديمقراطية.
وقد تحدث الرئيس غزواني في مناسبات مختلفة عن تعزيز النظام الديمقراطي، وتقوية المؤسسات الدستورية، والفصل بين السلطات، والحوار مع مختلف القوى السياسية. لكن التحدي الحقيقي يظل في تحويل هذه المبادئ من خطاب سياسي إلى قواعد مستقرة تستمر بتغير الأشخاص والظروف.
فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات، وإنما انتخابات حرة ونزيهة، وتنافس متكافئ، ومؤسسات مستقلة، واحترام للنتائج، وقدرة حقيقية على مساءلة السلطة.
كما أن دولة المؤسسات لا تقاس بعدد المؤسسات، وإنما بمدى احترام صلاحياتها للقانون، وبقدرة المواطن على الحصول على حقوقه دون واسطة أو قرابة أو انتماء قبلي أو جهوي.
بعد أكثر من ستين عامًا على الاستقلال، نحتاج إلى موريتانيا يكون فيها الانتماء الوطني فوق الانتماءات الضيقة، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات، والكفاءة معيارًا للمسؤولية، والقانون مرجعًا للجميع.
ونحتاج، قبل ذلك، إلى ترسيخ التداول السلمي على السلطة واحترام الحدود الدستورية للمأموريات، بحيث يصبح انتقال الحكم عبر صناديق الاقتراع ممارسة طبيعية، لا أزمة وطنية.
فالتداول السلمي لا يناقض الاستقرار، بل يمكن أن يكون أحد أهم ضماناته. والدولة القادرة على تغيير حكامها دون أن تهتز مؤسساتها هي دولة أكثر قدرة على الاستمرار من دولة يرتبط استقرارها ببقاء شخص أو جماعة أو تيار.
وهكذا، فإن سؤال المؤسس: «ما هي موريتانيا التي نريدها؟»، يمكن أن يتحول اليوم إلى سؤال وطني أوسع:
ماذا نريد من الدولة؟ وماذا نريد للسلطة؟ وماذا نريد للمواطن؟
الإجابة ينبغي ألا تكون مشروع شخص أو حزب أو جيل، وإنما مشروع دولة.
فالأشخاص يرحلون، والحكومات تتغير، والأحزاب تتبدل، لكن الدولة يجب أن تبقى. والمعنى الحقيقي لدولة المؤسسات هو ألا تبدأ موريتانيا من الصفر مع كل رئيس، وألا تتغير قواعد اللعبة السياسية مع تغير موازين القوة، وأن يبقى الدستور والقانون فوق الجميع.
لقد كان سؤال المختار ولد داداه، رحمه الله، سؤالًا عن الوطن الذي نريد بناءه.
أما سؤال موريتانيا اليوم فهو: هل نستطيع بناء دولة يكون فيها التداول السلمي على السلطة تقليدًا راسخًا، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، والمواطنة فوق العصبية، والكفاءة فوق الولاء، والوطن فوق السلطة؟
تلك، في النهاية، ليست إجابة عن سؤال الرئيس المؤسس المختاى فحسب، بل مسؤولية جيل كامل تجاه الدولة التي يريد أن يتركها للأجيال القادمة.
موريتانيا التي نريدها ليست موريتانيا الحاكم الذي نختاره، وإنما موريتانيا الدولة التي تبقى بعد أن يرحل جميع الحكام.؟

