
في خضم المهرجانات والأنشطة المنظمة في عدد من الولايات تحت عنوان «وطني… وجهتي»، والتي تشرف عليها جهات حكومية وتشارك فيها شخصيات وأعضاء من الحكومة، بدأت تطرح في الشارع أسئلة مشروعة حول مصادر تمويل هذه الأنشطة وتكاليف تنظيمها.
السؤال هنا ليس اعتراضًا على تنشيط السياحة الداخلية، ولا على التعريف بالمقدرات الثقافية والتراثية للبلاد، فذلك هدف مشروع ومفيد، وإنما السؤال يتعلق بالشفافية في المال العام:
من يدفع تكاليف هذه المهرجانات؟ وما حجم الميزانيات المرصودة لها؟ ومن يتولى تمويل المنصات والحشود والتنقلات والأنشطة واللافتات والدعاية؟ وهل جميع هذه النفقات مدرجة ضمن ميزانيات القطاعات والمؤسسات المعنية، أم أن هناك مصادر تمويل أخرى؟
ثم هناك سؤال سياسي أكثر حساسية:
هل تحولت بعض هذه المهرجانات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى منصات للمطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس، والدعوة إلى تعديل الدستور بما يسمح بها؟
لقد خرجت بالفعل خلال الأسابيع الأخيرة دعوات علنية من شخصيات وفعاليات سياسية مطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وتعديل الدستور، وهو ما يجعل الربط بين بعض الأنشطة الجماهيرية والخطاب السياسي المتصاعد أمرًا يستحق النقاش والمساءلة.
والأخطر من ذلك هو أن تتحول مؤسسات الدولة ووزاراتها إلى أدوات في صراع سياسي مبكر، أو أن تُستغل الموارد والإمكانات العمومية في صناعة الولاءات والتعبئة السياسية، بدل توجيهها إلى التنمية والخدمات وحل مشاكل المواطنين.
الدولة ليست ملكًا لحزب، والوزارة ليست منصة انتخابية، والمال العام ليس مالًا بلا صاحب.
إذا كانت هذه الأنشطة ممولة من المال العام، فمن حق المواطن أن يعرف كم كلفته؟ ومن أين جاءت الاعتمادات؟ وكيف صُرفت؟ وما العائد الحقيقي منها؟
أما إذا كانت ممولة من جهات أو أشخاص أو مؤسسات خاصة، فالمطلوب أيضًا أن تكون مصادر التمويل واضحة ومعلنة، خصوصًا عندما تتقاطع الأنشطة الثقافية والسياحية مع خطاب سياسي يتعلق بتعديل الدستور والمأمورية الثالثة.
إن احترام الدستور وتقوية مؤسسات الدولة لا يكونان بإضعاف المؤسسات لصالح الأشخاص، ولا بإقحام الوزراء والمسؤولين في حملات سياسية مبكرة، وإنما ببناء دولة تستمر مؤسساتها وتبقى قوية مهما تغير الأشخاص والحكام.
لهذا، فإن السؤال ليس ضد «وطني… وجهتي»، وإنما هو سؤال عن الشفافية:
من أين تأتي الأموال؟ وأين تذهب؟ ومن المستفيد؟ وهل المهرجانات للسياحة والثقافة فعلًا، أم بدأت تتحول إلى منصات سياسية للمطالبة بالمأمورية الثالثة والانقلاب على روح الدستور؟
أسئلة مشروعة... والإجابة عنها حق للمواطن...


