
#قراءة في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبرنامج:
منذ إطلاق برنامج "وطني وجهتي"، انقسمت الآراء بشأنه بين مؤيد يرى فيه خطوةً نوعية لإحياء السياحة الداخلية وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وبين متحفظ يعتبره حملةً إعلاميةً تروّج للسلطة أكثر مما تؤسس لمشروع تنموي مستدام. وبين هذين الموقفين، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا من الأحكام المسبقة.
لا شك أن موريتانيا تمتلك ثروة سياحية هائلة لم تُستثمر كما ينبغي. فمدنها التاريخية، وصحراؤها الممتدة، وشواطئها، ومحمياتها الطبيعية، وتنوعها الثقافي، كلها مؤهلات قادرة على تحويل السياحة إلى أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني. غير أن هذه الإمكانات ظلت لعقود رهينة ضعف البنية التحتية، وقلة الاستثمار، وغياب رؤية متكاملة للنهوض بالقطاع.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى "وطني وجهتي" باعتباره محاولة لإعادة الاعتبار للسياحة الداخلية، وتشجيع المواطنين على اكتشاف وطنهم، بما ينعش الحركة التجارية في المدن المستضيفة، ويمنح الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والصناعات التقليدية متنفسًا اقتصاديًا، فضلًا عن خلق فرص عمل للشباب وتنشيط المبادرات المحلية.
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل الحضور الرسمي الكثيف الذي يرافق البرنامج، ولا الحملات الإعلامية الواسعة التي تسلط الضوء على فعالياته. وهذا أمر مشروع في حدود التعريف بالمبادرة، لكنه يصبح محل تساؤل عندما يطغى الخطاب الاحتفالي على الحديث عن النتائج الفعلية، أو عندما تتحول الكاميرات إلى غاية بدل أن تكون وسيلة لتوثيق الإنجاز.
فالتنمية ليست مهرجانًا عابرًا، ولا تُقاس بعدد الوفود الرسمية أو حجم التغطية الإعلامية، بل بما تتركه من أثر دائم في حياة الناس. والسياحة لا تزدهر بالصور والشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى طرق معبدة، وخدمات صحية وأمنية، ومرافق إيواء لائقة، واستثمارات خاصة، وتكوين للموارد البشرية، وخطة واضحة تضمن استمرار النشاط بعد انتهاء الفعاليات.
إن أي برنامج حكومي من حقه أن يستفيد من الإعلام في التعريف بأهدافه، لكن من حق المواطنين أيضًا أن يسألوا: ماذا بعد انتهاء الحملة؟ وهل ستظل المدن المستهدفة أكثر جذبًا للسياح؟ وهل ستتحول الحركة الموسمية إلى نشاط اقتصادي دائم؟ وهل ستنعكس هذه المبادرة على مستوى معيشة السكان المحليين؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية لبرنامج "وطني وجهتي". فإذا نجح في خلق اقتصاد سياحي محلي مستدام، وتحسين البنية التحتية، واستقطاب الاستثمارات، فإنه سيكون مشروعًا وطنيًا يستحق الإشادة. أما إذا بقي مجرد موسم إعلامي ينتهي بانتهاء التغطية الرسمية، فسيضاف إلى قائمة المبادرات التي كانت ضجيجًا في بدايتها، وخافت أثرها مع مرور الوقت.
إن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على كسب معركة الصورة، بل على كسب معركة التنمية. فالصورة تزول بانتهاء الحدث، أما التنمية فتظل شاهدًا على نجاح السياسات وصدق الوعود.
وفي النهاية، فإن نجاح "وطني وجهتي" لن تصنعه الخطب ولا الحملات الإعلامية، بل سيصنعه المواطن عندما يشعر بأن مدينته أصبحت أكثر حيوية، وأن فرص العمل ازدادت، وأن السياحة تحولت من شعار موسمي إلى قطاع اقتصادي منتج يسهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز الوحدة الوطنية. وعندها فقط، سيتحول الجدل من سؤال: هل هو برنامج دعائي؟ إلى سؤال آخر أكثر أهمية: كيف نطور هذا النجاح ونبني عليه؟


