
لا يمكن الحديث عن التنمية أو النهضة العمرانية في أي بلد دون التوقف عند قطاع الإسمنت، فهو العمود الفقري للبناء، والأساس الذي تقوم عليه مشاريع الإسكان والبنية التحتية والاستثمار. لكن في موريتانيا، أصبح هذا القطاع محل تساؤلات متزايدة بسبب ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وما يراه كثيرون مؤشرات على هيمنة عدد محدود من الفاعلين على السوق.
ورغم اتساع النشاط العمراني وازدياد الطلب على مواد البناء، ما يزال سعر الإسمنت يشكل عبئًا ثقيلاً على المواطنين والمقاولين، الأمر الذي يرفع تكلفة البناء ويؤثر سلبًا على مشاريع السكن والاستثمار، ويحد من قدرة الكثير من الأسر على امتلاك مسكن لائق.
وفي الأسواق التي تسودها المنافسة الحقيقية، تتسابق الشركات على تحسين الجودة وخفض الأسعار لكسب ثقة المستهلك. أما عندما تغيب المنافسة أو تضعف، فإن المستهلك يجد نفسه أمام خيارات محدودة وأسعار مرتفعة، بينما تتراجع الحوافز لتطوير المنتج وتحسين الخدمات.
ولا يتعلق الأمر بالسعر وحده، بل يمتد إلى جودة الإسمنت المطروح في الأسواق، إذ يطالب المستهلكون بمنتج يطابق المعايير الفنية ويمنحهم الثقة في سلامة المباني واستدامتها، وهو ما يستدعي رقابة صارمة وشفافة على الجودة، وإعلان نتائج الفحوص المخبرية بشكل دوري.
إن تشجيع المنافسة لا يعني الإضرار بالمستثمرين الوطنيين، بل يهدف إلى خلق سوق أكثر توازنًا وعدالة، سواء من خلال تشجيع إنشاء مصانع جديدة، أو تسهيل الاستيراد وفق ضوابط تحمي الجودة وتمنع الإغراق. فكلما زادت المنافسة، ارتفعت جودة المنتج، وانخفضت الأسعار، واستفاد المستهلك والاقتصاد الوطني معًا.
كما أن تعزيز دور الهيئات الرقابية وتفعيل قوانين حماية المنافسة ومنع الاحتكار أصبح ضرورة اقتصادية، وليس مجرد خيار. فاقتصاد السوق لا يقوم على الاحتكار، وإنما على المنافسة العادلة التي تضمن تكافؤ الفرص وتحفز الابتكار وترفع الكفاءة.
إن موريتانيا، وهي مقبلة على تنفيذ مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية والإسكان، بحاجة إلى سوق إسمنت يتمتع بالشفافية والتنافسية، لأن أي ارتفاع غير مبرر في الأسعار ينعكس مباشرة على كلفة هذه المشاريع وعلى المال العام.
وفي النهاية، فإن الهدف ليس توجيه الاتهامات، بل فتح نقاش مسؤول حول مستقبل هذا القطاع الحيوي، والبحث عن حلول تضمن التوازن بين حماية الاستثمار الوطني، وتشجيع المنافسة، وصون حق المواطن في الحصول على منتج جيد بسعر عادل. فالسوق القوية ليست تلك التي يهيمن عليها عدد قليل من الفاعلين، وإنما تلك التي تحكمها المنافسة العادلة، والشفافية، وسيادة القانون.

