
بعد سنوات من الوعود الرنانة والشعارات البراقة يحق للمواطن أن يسأل: أين ذهبت المليارات التي أُنفقت باسم التنمية ومحاربة الفقر؟
وما هي الحصيلة الحقيقية التي يمكن أن يلمسها الناس في حياتهم اليومية؟
إذا كانت التنمية تقاس بتحسن مستوى معيشة المواطنين فإن الواقع يجيب بمرارة:
لا الفقير خرج من دائرة الحاجة ولا العاطل وجد فرصة عمل تحفظ كرامته ولا المشاريع الكبرى غيرت وجه الاقتصاد الوطني كما كان يبشر به. أما ما يقدم للمواطن من مساعدات نقدية هزيلة فلا يعدو كونه محاولة لتسكين الألم لا لعلاج المرض.
إن توزيع مبالغ زهيدة على المواطنين لا يمكن أن يكون بديلا عن بناء اقتصاد منتج ولا يمكن أن يقنع شعبا يرزح تحت وطأة البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. فالمواطن لا يريد صدقة موسمية بل يريد عملا دائما ومدرسة جيدة ومستشفى محترما وفرصة حياة كريمة.
لقد تحولت السياسات الاقتصادية إلى سلسلة من الارتجال وغياب الرؤية الاستراتيجية حتى أصبح الإنفاق الضخم بلا أثر واضح على الأرض وكأن المال العام يستهلك في الدوران داخل حلقة مفرغة بينما تظل معاناة المواطن هي الثابت الوحيد الذي لا يتغير
والأخطر من ذلك أن السلطة ما زالت تتحدث بلغة الإنجازات في وقت تتسع فيه الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي فالأرقام التي تعلن في المنابر لا تطعم جائعا والتقارير الوردية لا توفر وظيفة لشاب ينتظر مستقبله منذ سنوات.
إن الأنظمة تقاس بنتائجها لا بشعاراتها وبما تحققه للناس لا بما تقوله عن نفسها وعندما تنفق الدولة المليارات ثم يبقى الفقر والبطالة والتهميش على حالهم فإن السؤال عن الفشل يصبح مشروعا بل واجبا وطنيا.
إن ما يحتاجه المواطن اليوم ليس المزيد من الخطب ولا المزيد من الوعود وإنما مراجعة شاملة للمسار الاقتصادي ومحاسبة حقيقية على هدر الفرص والموارد ووضع رؤية تنموية تجعل الإنسان محور السياسات لا مجرد رقم يستدعى عند الحاجة إلى الدعاية السياسية.
فالتاريخ لا يخلد حجم الإنفاق بل يخلد حجم الإنجاز أما المليارات التي لا تترك وراءها مصنعا ولا وظيفة ولا نهضة اقتصادية فإنها تتحول في ذاكرة الشعوب إلى عنوان للفشل وسوء التسيير.
لك الله ياموريتانيا

