
لم يكن حفل تقديم كتاب " زمن العبور الهادئ " للوزير الأول السابق والمرشح الرئاسي الأسبق سيدي محمد ولد بوبكر مجرد مناسبة ثقافية عابرة لتوقيع مؤلف جديد، بل بدا أقرب إلى حدث سياسي وفكري حمل رسائل متعددة، عكستها طبيعة الحضور ومستواه ونوعية الشخصيات التي حرصت على المشاركة فيه.
فاللافت في المناسبة أن صاحب الكتاب ارتبط بمحطتين مفصليتين في تاريخ التحول الديمقراطي بموريتانيا؛ الأولى سنة 1992 مع بداية التعددية السياسية، والثانية سنة 2005 خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت التغيير السياسي آنذاك. وهو ما منح الحدث بعداً يتجاوز حدود الكتاب إلى استحضار تجربة سياسية كاملة ورجل ظل حاضراً في مختلف المنعطفات الوطنية الكبرى.
وقد كشف الحضور عن ثقل سياسي واجتماعي وفكري واضح، حيث ضمت القاعة شخصيات عسكرية متقاعدة، وسياسيين من اتجاهات مختلفة، وأطراً سامية، ومثقفين وأكاديميين، إضافة إلى وجهاء وفاعلين اجتماعيين وإعلاميين. وهو حضور يصعب قراءته باعتباره مجرد مجاملة اجتماعية أو ثقافية، بل يشي بوجود اهتمام خاص بما يمثله الرجل وما يطرحه الكتاب من رؤى وشهادات حول مراحل مهمة من تاريخ البلاد.
وفي العرف السياسي، كثيراً ما تكون المناسبات الثقافية واجهةً لرسائل أعمق من مضمونها المباشر. فحين يجتمع هذا العدد من الفاعلين والمؤثرين في المشهد الوطني حول شخصية سياسية ذات تجربة طويلة، فإن الأمر يطرح تساؤلات مشروعة حول الدلالات الكامنة وراء ذلك الحضور، وما إذا كان يعكس مجرد تقدير لمسار سياسي أم أنه يعبر عن حراك فكري وسياسي يتشكل بهدوء في خلفية المشهد.
وإذا كانت الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي قد نقلت جانباً من الحدث، فإن السياسة تعلمنا دائماً أن ما يظهر على السطح ليس بالضرورة كل ما يجري في الواقع. فخلف الكواليس تنسج العلاقات وتبنى التفاهمات وتتقاطع الرؤى، خاصة في الفترات التي تسبق الاستحقاقات السياسية الكبرى أو تشهد إعادة تموضع للنخب الوطنية.
-ولا يعني ذلك بالضرورة وجود ترتيبات سياسية معلنة أو تحالفات قيد التشكيل، لكنه يؤكد أن اللقاءات التي تجمع هذا الحجم من الشخصيات المؤثرة تستحق التوقف عندها وقراءتها بعين المتابع لا بعين المتفرج. فالمشهد الوطني يعيش باستمرار ديناميكياته الخاصة، والنخب السياسية والإدارية والفكرية تظل تبحث عن فضاءات للنقاش والتشاور وتبادل الرؤى حول مستقبل البلاد.
لذلك يمكن القول إن حفل تقديم " زمن العبور الهادئ" لم يكن مجرد احتفاء بكتاب، بل كان مناسبة أعادت إلى الواجهة شخصية سياسية ارتبط اسمها بمحطات بارزة من تاريخ موريتانيا الحديث، وكشفت في الوقت ذاته عن شبكة واسعة من العلاقات والرموز ما زالت ترى في الحوار والتجربة والتراكم السياسي عناصر أساسية في بناء المستقبل.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كان ما شاهدناه حدثاً ثقافياً صرفاً، أم أن وراء هذا الحضور الثقيل الوزن مؤشرات على حراك سياسي وفكري تتضح ملامحه تدريجياً مع مرور الوقت؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

