ثقب عظم كتف الشاة: بين الطقوس الشعبية والوظائف العملية: أحمد الشيباني (بدِّي ولد منيرا)

29 مايو, 2026 - 14:56

تنتشر في بعض المجتمعات العربية والإفريقية، كما عُرفت لها نظائر في ثقافات أوروبية وآسيوية قديمة، عادةٌ قد تبدو غريبة للأجيال المعاصرة، وهي ثقب عظم كتف الشاة أو كسره بعد أكل لحمها. وعلى الرغم من بساطة هذه الممارسة في ظاهرها، فإنها تحمل أبعادًا رمزية وثقافية ومعرفية جديرة بالتأمل، إذ تمثل جزءًا من التراث الشعبي الذي تناقلته الأجيال شفاهةً عبر قرون طويلة.

ولا يوجد تفسير واحد متفق عليه لأصل هذه العادة، بل تتعدد الروايات بتعدد البيئات والحضارات التي عرفتها. ويمكن إجمال أبرز التفسيرات المتداولة في أربعة محاور رئيسية:

أولاً: البعد الوقائي ضد الممارسات الشعوذية

كان يُعتقد في بعض المعتقدات الشعبية أن عظم الكتف السليم قد يُستخدم في كتابة الطلاسم أو ممارسة بعض أشكال السحر والتعاويذ. ومن هنا نشأت عادة ثقبه أو كسره بعد الفراغ من الأكل، بوصفها وسيلة رمزية لتعطيل إمكانية استخدامه في تلك الأغراض، وتحويله إلى عظم فاقدٍ لجدواه في نظر من يؤمنون بهذه الممارسات.

ثانياً: الوظائف العملية والحياتية

تروي بعض الروايات الشعبية أن العظم المثقوب استُخدم أداةً بسيطة في بعض شؤون الحياة اليومية. ومن ذلك ما عُرف في بعض البيئات بعملية "قطع الماء"، حيث يُحرَّك العظم في الإناء للمساعدة على ترسيب بعض الشوائب العالقة فيه. كما استُخدم الثقب أحيانًا لتعليق العظم أو توظيفه في بعض الأدوات المنزلية التقليدية.

كما تشير بعض الروايات الإثنوغرافية إلى أن ثقب العظام استُخدم في بعض البيئات الرعوية والقطبية لتجميعها وربطها بخيوط أو أربطة بغرض حفظها أو تقديمها لاحقًا لكلاب الصيد والجر، وهو ما يعزز احتمال وجود دوافع عملية وراء هذه الممارسة في بعض المجتمعات.

ثالثاً: التكهّن وقراءة الطالع (Scapulimancy)

في حضارات وثقافات أخرى، ارتبط عظم الكتف بممارسات الكهانة والتنبؤ بالمستقبل. وكان بعض العرافين يعرضون العظم للنار أو الحرارة، ثم يفسرون ما يظهر عليه من تشققات وعلامات لاستشراف أحوال الطقس أو مواسم الحصاد أو غير ذلك من الأحداث المتوقعة. وقد عُرفت هذه الممارسة في مناطق متفرقة من العالم، من أوروبا القديمة إلى آسيا الوسطى، مما يجعلها من أقدم أشكال التنبؤ المرتبطة بعظام الحيوانات.

رابعاً: علامة على الذكاة والطهارة

وتذهب بعض الروايات الشعبية في المجتمعات الإسلامية إلى أن ثقب عظم الكتف كان يُستخدم علامةً تدل على أن الشاة قد ذُبحت ذبحًا شرعيًا وأُكل لحمها، ومن ثم فإن عظمها طاهر ويجوز استعماله في بعض شؤون المنزل. أما العظم السليم فقد يبقى موضع شك من حيث مصدره أو طريقة الحصول عليه.

ويبدو أن هذا التفسير اكتسب حضورًا أوسع في بعض البيئات الإسلامية بسبب المكانة المركزية لأحكام الذكاة والطهارة في الثقافة الإسلامية، غير أن ذلك يبقى في إطار التفسير الشعبي المتوارث، لا في إطار النصوص الشرعية أو الحقائق التاريخية الموثقة.

خلاصة منهجية

من المهم الإشارة إلى أن هذه التفسيرات تظل اجتهادات شعبية ورموزًا ثقافية متوارثة أكثر من كونها حقائق تاريخية قطعية. فكثير من العادات الموروثة تختلط فيها الدوافع العملية بالمعتقدات الرمزية، وتتداخل فيها العناصر الدينية والاجتماعية والأسطورية، بحيث يصعب في كثير من الأحيان تحديد منشأ واحد لها أو الجزم بأصلها الأول.

وتبقى ظاهرة ثقب عظم كتف الشاة شاهدًا على الكيفية التي نسجت بها المجتمعات القديمة معانيها حول الأشياء اليومية البسيطة؛ حيث تتداخل الحاجة العملية مع الرمز، والمعتقد مع التجربة، والديني مع الاجتماعي. وما يبدو اليوم تفصيلًا صغيرًا من بقايا الطعام، كان في زمنٍ مضى يحمل دلالاتٍ تتجاوز مادته إلى عالمٍ كامل من التصورات والقيم والمعارف الشعبية.

والله أعلم.

أحمد الشيباني (بدِّي ولد منيرا)
رئيس مركز شنقيط الإسلامي – ديربورن، ميشيغان