
تحليل:
سألوا حكيماً: أيُّ أنواع الموسيقى هو الحرام؟ فقال: «صوت الملاعق في صحون الأغنياء عندما ترنّ في آذان الفقراء».
قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تختصر واقعاً اجتماعياً مؤلماً، حين يتحول الحصول على أبسط المواد الغذائية إلى معركة يومية تخوضها الأسر محدودة الدخل بحثاً عن الأرز والزيت والقمح وللحم وغيرها من المواد الأساسية.
وحين يوقظ الرجل زوجته قبل أن يتوجه إلى صلاة الفجر، لتلتحق بنساء كادحات أمام نقاط بيع المواد الأساسية المخفضة، أملاً في اقتناء كمية محدودة من الأرز أو الزيت أو القمح لا تكاد تكفي الأسرة ليوم واحد، فذلك مؤشر واضح على حجم الضغط الذي أصبحت تواجهه القدرة الشرائية للمواطن.
وإذا كانت الحملات الرامية إلى تخفيض أسعار المواد الأساسية تخفف شيئاً من معاناة المواطنين، فإن أثرها يظل محدوداً ومؤقتاً ما لم تتجه المعالجة إلى جذور المشكلة.
وعندما تكتظ الأسواق بالسلع المستوردة، ويصبح معيار الكم مقدماً على معيار الكيف، بينما يبحث المواطن قبل كل شيء عن السلعة الأرخص، فإن ذلك يكشف جانباً آخر من الأزمة، وهو تراجع القدرة الشرائية، الذي يجعل السعر في كثير من الأحيان أهم من الجودة.
المشكلة ليست في الأسعار وحدها
إن الارتفاع المتواصل في أسعار السلع، مقابل محدودية مداخيل قطاعات واسعة من المواطنين، يوسّع الفجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية، ويجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة بالنسبة للأسر محدودة ومتوسطة الدخل.اوعديمة الدخل
ولهذا، فإن معالجة أزمة الأسعار لا ينبغي أن تقتصر على إعلان أسعار مخفضة أو إطلاق حملات ظرفية، بل يجب أن تتجه إلى تنظيم السوق من جذوره، ومراقبة مسالك الاستيراد والتوزيع، ومحاربة المضاربة والاحتكار، وضمان شفافية المنافسة، حتى تصل السلعة إلى المستهلك بالسعر العادل.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية اللجنة الوزارية المكلفة بضبط الأسعار، برئاسة الوزير الأول، باعتبارها آلية حكومية يفترض أن تتعامل مع ملف الأسعار باعتباره قضية اقتصادية واجتماعية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
ضبط السوق قبل ضبط الأسعار
المطلوب اليوم ليس فقط تحديد سقف للأسعار، وإنما ضبط السوق أولاً.
فالسعر النهائي للسلعة هو حصيلة سلسلة تبدأ من المستورد أو المنتج، وتمر عبر النقل والتخزين والتوزيع، وصولاً إلى التاجر والمستهلك. وإذا لم تتم مراقبة هذه السلسلة بشكل فعّال، فإن أي سعر يتم تحديده على الورق قد لا يجد طريقه إلى السوق.
ومن هنا، فإن نجاح اللجنة الوزارية يتطلب رقابة ميدانية مستمرة، ونشر الأسعار المرجعية، ومراقبة هوامش الربح، والتأكد من احترامها، إلى جانب اتخاذ إجراءات واضحة ضد المضاربة والاحتكار والتلاعب بالأسعار.
كما أن حماية المستهلك لا تعني التضييق على التجار، وإنما تعني تحقيق توازن عادل بين حق التاجر في هامش ربح معقول، وحق المواطن في الحصول على السلع الأساسية بأسعار تتناسب مع قدرته الشرائية.
المواطن يريد حلاً مستداماً
لقد أثبتت التجارب أن الحملات المؤقتة يمكن أن تخفف من معاناة المواطن، لكنها لا تكفي وحدها لبناء سوق مستقرة وعادلة.
والمطلوب هو سياسة متكاملة تجعل استقرار الأسعار نتيجة طبيعية لتنظيم السوق، وليس مجرد مناسبة موسمية تنتظرها الأسر لتأمين احتياجاتها الأساسية.
إن المواطن الموريتاني لا يبحث عن امتيازات، وإنما يريد أن يجد الأرز والزيت والقمح والمواد الأساسية وللحم والسمك بأسعار عادلة، وأن يشعر بأن دخله قادر على تلبية الحد الأدنى من احتياجات أسرته.
لذلك، فإن الرسالة إلى اللجنة الوزارية المكلفة بضبط الأسعار واضحة: تدخّلوا سريعاً، ولكن لا تكتفوا بضبط الأسعار؛ اضبطوا السوق أولاً، وراقبوا التجار ومسالك التوزيع، واضبطوا هوامش الربح، وحاربوا المضاربة والاحتكار.
فحين ينزف المواطن يومياً تحت وطأة غلاء المعيشة، يصبح ضبط الأسعار أكثر من مجرد إجراء اقتصادي؛ إنه مسؤولية اجتماعية وضرورة لحماية السلم الاجتماعي والقدرة الشرائية للمواطن.
اضبطوا السوق قبل الأسعار، واضبطوا التجارة قبل أن تضبطوا الأرقام؛ فالسعر العادل لا يُفرض بقرار فقط، وإنما يُبنى بسوق عادلة ورقابة فعّالة.

