هذا هو فهمي لسبب دعوات تغيير المأموريات..

19 أغسطس, 2026 - 21:32

منذ تم تحصين المأموريات الرئاسية وحصرها في مأموريتين غير قابلتين للزيادة؛ أصبحت بداية كل مأمورية ثانية وأخيرة لأي رئيس مرحلة غاية في التعقيد والحساسية؛ حيث يبدأ مؤيدوه في النظر إليه باعتباره رئيسا أوشكت "فترة صلاحيته" على الانتهاء.

ولذلك أصبح جهد كل رئيس في هذه المرحلة ينصب على محاولة إيهام أنصاره وحواشيه ومقربيه بأنه قادر على الاستمرار في السلطة، بل وأنه راغب في ذلك وقادر عليه؛ حتى لو كان يخفي في نفسه عكس ذلك تماما.

إنه يعرف جيدا أن سبب ما يحظى به من قبول ودعم من معظم أنصاره إنما هو ما بيده من قوة وسلطة بوصفه "رئيس جمهورية" وليس قبولا ودعما لذات نفسه وشخصه.

ولذلك أيضا فهو يعلم يقينا أن مجرد إعلانه أن هذه المأمورية ستكون هي آخر عهده بالسلطة والحكم سيكون سببا كافيا لينفض أغلب الناس من حوله ولينشغلوا عنه بالبحث عن الشخص الأقرب لأن يكون خلفه كي يبدأوا مبكرا مسيرة التقرب منه والتزلف إليه والتمسح على نعليه ورجليه وقدميه.

وهذا ما كان يدركه الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز جيدا، وهو ما جعله يتجاهل دعوات التمديد والتخليد لدرجة جعلت أصحابها يصدقونها ويجزمون بأنه لن يخلف عزيز في الحكم غير عزيز نفسه!! رغم أن هذا الأخير سيظهر لاحقا أنه لم يفكر في شيء من ذلك ولم يخطط له أبدا أو يوجه أحدا لتخطيطه والتهيئة له.

ولم يتخذ ولد عبد العزيز أي قرار أو موقف صريح ينهي مهزلة تلك الدعوات إلا حين لم يبق من أيام سلطته إلا ما يسمح له بتهيئة الظروف المناسبة لمعرفة خلفه ولضمان نجاح حملته..

وهذا السيناريو هو نفسه ما يحدث الآن في المأمورية الأخيرة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مع فارق دقيق في أمر حساس متعلق بنتائج تجربة خروج الرئيس السابق من السلطة التي ربما تكون كشفت أن تهيئة الظروف المناسبة لفوز الخلف المناسب قد لا تكون ضمانا كافيا لأمان الرئيس الخارج من القصر بعد الخروج..

وهذا الإشكال وحده هو ما يمكن أن يجعل البعض يفكر في أن هناك سببا جديدا إضافيا لتجنب الرئيس الحالي الإدلاء بأي تصريح يقطع الشك باليقين حول ما إذا كان يفكر في الاستمرار في السلطة أم لا..

لأنه حتى إن كان لا يرغب في المس بالمواد المحصنة، ولا في الاستمرار في الحكم بعد انتهاء مأموريتيه الدستوريتين، إلا أنه بالتأكيد لن يرغب في أن يخلفه من لا ضامن لاستمرار وده معه من الأصدقاء أو المقربين أو الأوفياء المختارين؛ فقد أمِنَهم سلفٌ من قبله ثم أصبح من النادمين!!

 

أعتقد أن الحل الجذري لهذا الإشكال الغريب، والذي لا تكاد تجد له مثيلا خارج بلادنا، إنما يكون في مأسسة الحياة السياسية من خلال تأسيس أحزاب برامج وعقائد وقناعات يجتمع عليها أصحابها بدل اجتماعهم على الأشخاص والصفات والمصالح الآنية المتغيرة، لأنه حينذاك سيظل الشخص ذا مكانة محفوظة بين جميع أعضاء الإطار السياسي الذي ينتسب له ويتقاسم القناعات والمبادئ الفكرية والسياسية مع أفراده بغض النظر عن مكانة أو وظيفة أي منهم، وسواء وُجد إطارهم السياسي في الحكم أو خارجه، في الموالاة أو في المعارضة، قل منتسبوه أو كثروا، حسنت ظروفهم الخاصة أو ساءت؛ لأن أساس ما يجمعهم هو فكرة، وبرنامج، وخلق، ومنهج، ورؤية لأجل شعب وبلد؛ لا لأجل أي فرد أو مجموعة أفراد منهم أو من غيرهم.

محفوظ الحنفي