أبريل...ذاكرة الألم / احمد محمد حماده

16 أبريل, 2026 - 22:33

 ابريل… ليس شهرًا عابرًا في الذاكرة.
هو زمنٌ مثقلٌ بالمعاني، تختلط فيه الذكريات بالألم، ويستدعي وجوهًا غابت، لكنها لم تغب عن الوجدان. شهرٌ سقط فيه رفيقان من التيار الناصري، أحدهما في أطار، والآخر في نواكشوط، فصار أبريل علامةً لا تُمحى، ودليلًا على أن الطريق الذي اختاره أولئك لم يكن مفروشًا إلا بالتضحيات.
حين أستعيد تلك الأيام، أعود إلى بداية الثمانينيات، إلى إعدادية نواذيبو، حيث كنا مراهقين بملامح عادية، لكن بأرواحٍ أكبر من أعمارنا. كنا نحمل أسئلة ثقيلة، ونعيش قلق وطنٍ يبحث عن توازنه تحت وطأة واقعٍ قاسٍ.
لم تكن السياسة خيارًا، بل كانت واقعًا مفروضًا. كنا نسمع عن التنظيم الناصري كفكرة تقاوم، تحلم، وتدفع الثمن. لم نكن نحيط بكل تفاصيلها، لكننا كنا نلمس صدقها في صمود أصحابها.
جاء إضراب 1984، فكان لحظة فاصلة.
بلدٌ بلا وسائل اتصال تُذكر، وتحت رقابة أمنية صارمة، يتوقف فيه التعليم من أقصاه إلى أقصاه… كان ذلك درسًا في معنى التنظيم، وفي قوة الفكرة حين تجد من يؤمن بها.
لم تكن تلك الانتفاضة حدثًا عابرًا، بل بدت وكأنها تدق آخر المسامير في نعش نظام محمد خونه ولد هيداله، إذ كشفت، رغم القبضة الأمنية المحكمة، عن حجم التململ الكامن في صدور الناس، وعن قدرة فكرةٍ مؤمنةٍ بذاتها على تجاوز الخوف. يومها، بدأ الصمت يتشقق، وظهر أن ذلك النظام، مهما بدا صلبًا، لم يعد محصنًا كما كان يُظن.
توقفت الدراسة، لكن الوعي بدأ يتشكل.
صرنا نرى في الغياب موقفًا، وفي الهمس خطابًا. كنا نتبادل الأخبار كأنها أسرار، ونبني مواقفنا من شذرات صغيرة، لكنها كافية لتغييرنا من الداخل.
في تلك الأيام، فهمنا أن الوطن ليس شعارًا، بل مسؤولية.
وأن التفكير خارج "المسموح" قد يكون ثمنه باهظًا.
امتلأت السجون، واشتدت القبضة، وسمعنا عن التعذيب، وعن رجالٍ ثبتوا في وجه القسوة. لم نرَ كل شيء، لكن ما وصلنا كان كافيًا ليزرع فينا خوفًا… وفخرًا في آنٍ واحد.
ويومها، صرت ناصريًا بالهوى قبل أن أعرف الناصرية كتنظيم. كان الإعجاب يسبق الفهم، وكانت الفكرة تصلنا عبر الحكايات، وعبر ما نقرأه على الجدران من شعارات تختصر المعنى وتترك أثرًا عميقًا.
لاحقًا، في ازويرات، بدأت الصورة تكتمل، لكن الانتماء كان قد بدأ منذ تلك البدايات الأولى، حيث كنا نستمد تصورنا من كلماتٍ بسيطة، لكنها كانت كافية لتفتح لنا أفقًا كاملًا.
كنا صغارًا… لكننا كنا نكبر سريعًا.
وأبريل، بكل ما يحمله من وجعٍ وذكرى، ظل شاهدًا على تلك اللحظة التي أدركنا فيها أن الطريق إلى الوطن يمر أحيانًا عبر التضحية.
واليوم، لا أستعيد تلك الأيام بحثًا عن بطولة،
بل وفاءً لذاكرةٍ لا تزال حيّة…
ذاكرة أبريل، حين كان الحلم مكلفًا،
وحين كان من يسقطون، يتركون لنا ما يكفي لنواصل الطريق.
ورغم ما شهدته البلاد لاحقًا من انفتاح نسبي واتساع في هامش الحريات، ورغم ما أصاب تلك التيارات الفكرية من تراجع أو تشتت، فإن ذكريات تلك المرحلة لا تزال حيّة في وجدان من خبروها. تبقى، بحلوها ومرّها، جزءًا من التكوين الأول، ومن الوعي الذي تشكّل في زمنٍ كان فيه الموقف يُصنع تحت الضغط، والانتماء يُختبر في أقسى الظروف. هي ليست مجرد ماضٍ يُستعاد، بل أثرٌ باقٍ يذكّر بأن ما عُاش بصدق، لا يغادر الذاكرة.
وتبقى كلمة وفاء واجبة في ختام هذه الذكرى؛ تحية تقديرٍ صادقة لأولئك الذين اختاروا الطريق الصعب، فثبتوا حين كان الثبات نادرًا، ودفعوا من أعمارهم وصحتهم ثمنًا لمواقفهم. لهم منا الدعاء بأن يمدّهم الله بالعافية وطول العمر، وأن يجزيهم عن صبرهم خير الجزاء. أما الذين مضوا، وقدّموا حياتهم في سبيل ما آمنوا به، فلهم الرحمة والمغفرة، ولذكراهم الخلود في وجدان من عرفوا تلك الأيام.