محاسبة الأبناء لآبائهم: تفكيك للأسرة تحت شعار الحقوق بقلم: أحمد محمد حماده

27 فبراير, 2026 - 01:19

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].
بهذه الصياغة القرآنية الحاسمة التي تؤسس لعلاقة قائمة على الرحمة والخضوع و  البرّ، رسم الإسلام الإطار الأخلاقي الحاكم لعلاقة الأبناء بوالديهم، وجعلها علاقة إحسان دائم لا مجال فيها لمنطق الندية أو المقابلة بالمثل. غير أن التحولات الاجتماعية المعاصرة، وما يصاحبها من تغير في منظومة القيم، تطرح اليوم تحديات جديدة أمام هذا التصور، في ظل بروز خطاب يروّج لما يسمى «محاسبة الوالدين» ومعاملتهما بالمثل، في تحوّل يعكس اضطرابًا في فهم طبيعة العلاقة الأسرية وحدودها الشرعية.
في سياق التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع الموريتاني خلال السنوات الأخيرة، برزت مؤشرات مقلقة على تغيّر تدريجي في منظومة القيم التي تحكم العلاقات داخل الأسرة، وهي تحولات ترتبط بتسارع التأثيرات الثقافية العابرة للحدود، واتساع فضاء التواصل الرقمي، وتراجع بعض الضوابط الاجتماعية التقليدية التي كانت تشكّل ركيزة التماسك المجتمعي.
ومن أخطر مظاهر هذا التحول بروز خطاب جديد على بعض منصات التواصل الاجتماعي داخل الفضاء الموريتاني يروّج لما يسمى «محاسبة الوالدين» وشرعية معاملتهما بالمثل أو مقاطعتهما تحت ذرائع استرداد الحقوق وتحقيق العدالة. ولم تعد هذه الطروحات مجرد حالات فردية معزولة، بل تحوّلت إلى خطاب متداول يسعى إلى إضفاء شرعية أخلاقية على القطيعة داخل الأسرة، ويعمل على تطبيع التمرد على الوالدين تحت غطاء الخطاب الحقوقي، في تعارض واضح مع المرجعية الدينية والثقافية التي شكّلت تاريخيًا أساس التماسك الاجتماعي في موريتانيا.
ويكتسب هذا التحول حساسيته الخاصة في السياق الموريتاني بالنظر إلى مركزية الأسرة في البنية الاجتماعية، ودورها المحوري في حفظ التوازن الاجتماعي ونقل القيم الدينية والأخلاقية بين الأجيال. فالمجتمع الموريتاني — الذي ظل قائمًا على منظومة متماسكة من الروابط الأسرية والاعتبارات الأخلاقية المستمدة من المرجعية الإسلامية — يواجه اليوم تحديًا حقيقيًا يتمثل في محاولات إعادة تعريف العلاقة بين الآباء والأبناء على أسس فردانية وصراعية غريبة عن بنيته القيمية.
لقد بات بعض الشباب يعرضون تجاربهم الشخصية مع أحد الوالدين بوصفها مبررًا كافيًا لقطع العلاقة أو الرد بالقسوة أو المعاملة بالمثل، في محاولة لإضفاء مشروعية أخلاقية على سلوك ينسف الأسس التي قامت عليها البنية الأسرية في التصور الإسلامي. ومهما كانت دوافع الألم أو الشعور بالظلم، فإن تحويل التجارب الفردية إلى خطاب عام يشرعن القطيعة يمثل اختلالًا في ميزان القيم، ويؤسس لثقافة اجتماعية قائمة على تصفية الحسابات داخل الأسرة بدل حفظها وصونها.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن التأثير المتزايد لمنظومات فكرية وافدة تقوم على الفردانية المطلقة، وتتعامل مع الأسرة بوصفها إطارًا تعاقديًا خاضعًا لمنطق الحقوق المجردة والمحاسبة الصارمة. وفي ظل النقل غير الواعي لهذه التصورات يجري تفكيك مفهوم البرّ، وإعادة تعريف العلاقة بين الآباء والأبناء باعتبارها علاقة ندّية تحكمها المصلحة المتبادلة لا الواجب الأخلاقي، وهو ما يمثل تصادمًا مباشرًا مع المرجعية الإسلامية والقيم التي قام عليها المجتمع الموريتاني عبر تاريخه.
غير أن المنظومة الإسلامية جعلت الأسرة وحدة أخلاقية قبل أن تكون وحدة اجتماعية، وأقامت العلاقة بين الأبناء والوالدين على الإحسان والفضل والصبر لا على المقابلة والموازنة الحسابية. فالإسلام لم يجعل برّ الوالدين سلوكًا اختياريًا مرتبطًا بأدائهما، بل قرره تكليفًا شرعيًا ثابتًا، وقرن الإحسان إليهما بأصل التوحيد، قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].
وقد بيّن الإمام القرطبي في تفسيره أن اقتران حق الوالدين بالتوحيد يدل على أن حقهما من أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى، وأن الإحسان إليهما واجب على كل حال ما لم يأمرا بمعصية.
وقد قرر الفقهاء أن برّ الوالدين واجب مستقل لا يسقط بتقصيرهما ما لم يأمرا بمعصية. وأكد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى بقوله:
«فإن برّ الوالدين واجب، وإن ظلما، وليس للولد أن يدفع ظلمهما بظلم مثله»،
وهو تقرير فقهي يرسّخ أن حق الوالدين ثابت شرعًا لا يقوم على قاعدة المعاملة بالمثل.
ومن هنا فإن إخضاع العلاقة مع الوالدين لمنطق «المعاملة بالمثل» يمثل خللًا في التصور قبل أن يكون خطأ في السلوك، لأن العلاقة مع الوالدين في الرؤية الإسلامية ليست علاقة تعاقد بين طرفين متكافئين، بل علاقة فضل سابق وتضحية ممتدة وحق متجاوز للحسابات الضيقة.
ولا يقتصر رفض هذا المنطق على الجانب العاطفي أو الأخلاقي، بل يمتد حتى إلى الجوانب المالية والتجارية وسائر المعاملات، إذ لا يجوز أن يتعامل الابن مع والديه بمنطق الشراكة التجارية أو المقابلة الدقيقة في الأخذ والعطاء، لأن هذا الفهم يختزل مقامهما ويحوّل العلاقة الأسرية إلى علاقة مصلحة لا علاقة رحمة.
وقد بلغ من تعظيم الإسلام لحق الوالدين أنه لم يسقطه حتى في سياق أشد صور الخلاف، فقال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]، وهو ما يؤكد أن البرّ مبدأ ثابت لا يخضع لحسابات النزاع.
إن تعميم خطاب «محاسبة الوالدين» لا يهدد العلاقة الأسرية فحسب، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية على أساس الصراع والندية، بما يؤدي إلى إضعاف سلطة الأسرة التربوية، وسقوط منظومة الاحترام بين الأجيال، وتآكل أحد أهم ركائز الاستقرار المجتمعي.
وفي المقابل، فإن الحديث عن برّ الأبناء بوالديهم لا يعفي الوالدين من مسؤولياتهما الشرعية تجاه أبنائهما، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، قال عليّ رضي الله عنه: «علّموهم وأدّبوهم». وقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه).
ومن مقتضى هذه المسؤولية تحقيق العدل بين الأبناء، فقد قال النبي ﷺ لبشير بن سعد حين خصّ أحد أبنائه بعطية: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» (متفق عليه). كما ينبغي ألا تنعكس الخلافات الزوجية أو حالات الطلاق على الأبناء، ولا يجوز أن يتحولوا إلى أدوات في الصراع بين الوالدين، بل يجب صون حقهم في علاقة متوازنة مع كليهما.
إن بناء أسرة متماسكة لا يقوم على المطالبة بالحقوق من طرف واحد، بل على أداء كل طرف لواجباته وترسيخ ثقافة الرحمة والمسؤولية داخل البيت.
﴿وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
بهذا التوجيه القرآني الحاسم، الذي ينهى عن أدنى مراتب الأذى للوالدين قبل أعلاه، تتجلى حقيقة المنهج الإسلامي في صيانة مكانتهما وتعظيم حقهما، وترسيخ علاقة قائمة على الرحمة والإحسان لا على الخصومة والمقابلة بالمثل. فحيث يُؤسَّس البناء الأسري على البرّ والرفق تُحفظ المجتمعات من التفكك، ويستقيم ميزان القيم، وتبقى الأسرة الحصن الأول لاستقرار المجتمع وتماسكه.

الفيس بوك

بث مباشر