
في ردٍّ على ما كتبته النائب البرلمانية كادياتا مالك جالو من اتهامات وتوصيفات،سبقهاإليهارفيقهافي النضال الدكتور لوگرموجاءت لتأكدها. لابد من وضع النقاش في إطاره الوطني الصحيح، بعيدًا عن التعميمات التي تُصوّر الأزمات التي عرفتها بلادنا وكأنها استهدفت فئة دون غيرها، أو كانت حكرًا على مكوّن اجتماعي بعينه.
إن تاريخ موريتانيا الحديث، بما فيه من تعقيدات وأزمات سياسية وأمنية، لم يكن صراعًا بين مكوّن وآخر، ولا مشروع استهداف ممنهج لأقلية دون غيرها، بل كان ـ في جوهره ـ انعكاسًا لتحولات سياسية وصراعات على السلطة شملت مختلف فئات المجتمع الموريتاني، عربيًا وزنجيًا، مدنيًا وعسكريًا، دون استثناء.
غير أن بعض الخطابات السياسية دأبت على اختزال هذا التاريخ في سردية أحادية، تقوم على افتراض وجود «أزمات زنجية خالصة»، وكأن بقية الموريتانيين كانوا في مأمن من الاعتقالات أو الإقصاء أو المعاناة. وهذا الطرح، في حقيقته، لا تتبناه إلا حركتان سياسيتان ظلتا توظفان هذا الملف لبناء حضور سياسي عجزتا عن تحقيقه عبر صناديق الاقتراع، وهما:
حركة أفلام ذات الطابع العرقي الصريح،
وما يُعرف بـ الحركة الوطنية الديمقراطية (الكادحين).
وهاتان الحركتان، رغم تباين مرجعياتهما الظاهر، تلتقيان عمليًا عند نقطة واحدة: افتعال أزمات صورية، وإعادة إنتاج خطاب المظلومية بشكل دائم، بهدف خلق حالة تعبئة مستمرة تعوّض الإخفاقات الانتخابية المتكررة. فحين تعجز البرامج عن إقناع الناخب، يصبح اللعب على وتر الهوية والانقسام أداةً أسهل وأسرع.
لقد اختارت هذه الأطراف استراتيجية مزدوجة تقوم على جبهتين:
أولًا: الجبهة الخارجية
وهي التي تعمل على تدويل الخطاب، وبثّ روايات مشحونة بدعاية عرقية مغلّفة بشعارات الوطنية والديمقراطية. ويتم ذلك عبر منصات ومنابر خارجية، في محاولة للضغط على الدولة وتشويه صورتها. ويتصدر هذا الخطاب بعض الأسماء المعروفة، التي تقدّم نفسها حاميةً للحقوق، بينما لا تتورع عن تعميق الشرخ المجتمعي كلما خفَّ وهجه.
ثانيًا: الجبهة الداخلية
وتتحرك عبر شخصيات سياسية قديمة راكمت خبرة طويلة في إدارة الصراعات داخل الدولة، وتسعى اليوم إلى توجيه مسار الحوار الوطني بما يخدم أجنداتها الخاصة. ويتم ذلك من خلال محاولة التحكم في:
1-إدارة الحوار.
2-تحديد مواضيعه.
3-إختيار المشاركين فيه وفق مقاسات محددة.
حتى يصبح «الحوار» شكليًا، يدور في حلقة مغلقة: منهم وإليهم. وعندها تغيب الدولة الجامعة، ويُفتح الباب مجددًا أمام الأزمات المصطنعة التي تُستثمر سياسيًا.
إن أخطر ما في هذا الطرح ليس فقط إعادة قراءة التاريخ بعيون انتقائية، بل السعي إلى تحويل ملف وطني معقّد إلى أداة استقطاب دائم. فمعالجة أي ملف ذي طابع حقوقي أو إنساني يجب أن تنطلق من مقاربة وطنية جامعة، تعترف بأن الدولة أخطأت في مراحل معينة، وأن مختلف المكونات تضررت بدرجات متفاوتة، دون احتكار للألم أو توظيف للذاكرة.
إن موريتانيا لا تحتاج اليوم إلى إعادة إنتاج خطاب الصدام، ولا إلى تقسيم المجتمع إلى ضحايا دائمين وجلادين دائمين، بل إلى ترسيخ منطق الدولة والقانون، وإعلاء مبدأ المواطنة المتساوية، بعيدًا عن الاستثمار السياسي في الجراح.
فالوطن لا يُبنى بتأجيج الهويات، ولا بابتزاز الدولة تحت لافتة الحقوق، بل ببناء مشروع وطني جامع، يحصّن وحدتنا، ويغلق أبواب المتاجرة بالملفات الحساسة، ويمنع تحويلها إلى سلّم صعود سياسي لمن عجز عن إقناع الشعب عبر البرامج والرؤى.

