
في قلب الصحراء الموريتانية، حيث تحتفظ شنقيط بإرث علمي وروحي عريق، يتشكل أفق جديد… لكن هذه المرة بلغة أخرى: الإسبانية. فالحدث الذي احتضنته المدينة لا يمكن اختزاله في مجرد حفل لتكريم طلاب متفوقين، بل يندرج ضمن دينامية أعمق تتقاطع فيها السياسة بالتعليم، والثقافة بالاستراتيجية، في تفاعل بين الذاكرة التاريخية واستشراف المستقبل.
لقد ظلت شنقيط، عبر قرون، مرادفًا للعلم والمخطوطات ورحلات المعرفة، غير أنها اليوم تعيد تعريف نفسها كعاصمة للسياحة الثقافية في موريتانيا، وواجهة رمزية قادرة على إعادة تموضع البلاد ضمن الخريطة الثقافية الدولية. وفي هذا السياق، لا يبدو إدماج اللغة الإسبانية خطوة عابرة، بل تحولًا نوعيًا يسهم في نقل المدينة من فضاء تراثي ساكن إلى منصة حية للتبادل الثقافي والمعرفي، حيث تتكامل السياحة مع المعرفة، لتغدو شنقيط نقطة التقاء بين إفريقيا وأوروبا.
وفي صلب هذه المبادرة، تبرز “فونداسيونه شنقيط” بقيادة رئيسها محمد ولد أعماره، الذي يجمع بين الخبرة المحلية والانفتاح الدولي بصفته قنصلًا شرفيًا للمملكة الإسبانية، ما مكنه من توظيف شبكة علاقاته في خدمة مشروع تعليمي ذي بعد استراتيجي. وقد تحولت المؤسسة، في هذا الإطار، إلى منصة فعلية للتكوين والانفتاح، متجاوزة الأدوار الخيرية التقليدية نحو بناء شراكات نوعية. ويأتي تعاونها مع شركة “أورو موندو” الإسبانية ليعكس نموذجًا جديدًا من التكامل بين القطاع الخاص والمجتمع المدني والدبلوماسية، في سبيل الاستثمار في الشباب وتأهيلهم للاندماج في فضاءات دولية أوسع.
كما أن حضور السفير الإسباني في موريتانيا، بابلو باربارا غوميز، في هذا النشاط بمدينة شنقيط، يمنح الحدث بعدًا سياسيًا واضحًا يتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ يعكس انخراطًا فعليًا في دعم مبادرات التكوين اللغوي وتعزيز الحضور الثقافي الإسباني في فضاءات رمزية داخل البلاد. فمشاركته في تكريم الطلاب، ودعوتهم إلى فعاليات تنظمها السفارة في نواكشوط، يندرجان ضمن مقاربة دبلوماسية تقوم على القوة الناعمة، من خلال الاستثمار في التعليم والشباب كرافعة لتأثير طويل الأمد، بما يعكس حرص إسبانيا على بناء شراكة مستدامة تتجاوز المصالح الاقتصادية نحو تعميق الروابط الثقافية والمعرفية.
وقد أسفر هذا النشاط عن نتائج ملموسة تتجاوز رمزيته الاحتفالية، حيث تم تكريس ثقافة التميز من خلال منح المتفوقين فرصًا للتكوين في إسبانيا، مع توفير الإقامة والتأطير، وهو ما يشكل نقلة نوعية في مسارهم الأكاديمي. كما استفاد بقية الطلاب من دعم مادي ومعنوي عبر أجهزة حاسوب وشهادات تقدير، إلى جانب إرساء منظومة دعم اجتماعي تشمل منحًا شهرية وتأمينًا صحيًا للطلاب وأسرهم، في مقاربة شاملة تربط بين التعليم والرعاية الاجتماعية. كما تم إطلاق قسم جديد للغة الإسبانية، بما يعزز استدامة المشروع ويؤهله للتحول إلى برنامج مؤسسي طويل الأمد.
وتحمل هذه المكتسبات دلالات عميقة، إذ تعكس انتقالًا من المبادرات الظرفية إلى بناء مسارات حقيقية للتمكين، حيث يغدو التعليم ركيزة أساسية للاندماج في عالم متغير. كما تكشف عن وعي متزايد بأهمية الاستثمار في رأس المال البشري كمدخل للتنمية المستدامة. وعلى الصعيد السياسي، تندرج هذه المبادرة ضمن دبلوماسية ثقافية حديثة، تتحول فيها اللغة والتكوين إلى أدوات تأثير ونفوذ، وتسهم في تنويع الشراكات الدولية وإعادة تشكيل موقع موريتانيا ضمن شبكة العلاقات العالمية. أما من الناحية الرمزية، فإن اختيار شنقيط يمنح المشروع عمقًا خاصًا، باعتبارها فضاءً تاريخيًا لإنتاج المعرفة يعاد تفعيله في سياق معاصر.
كما يفتح إدماج اللغة الإسبانية آفاقًا واعدة لتعزيز الجاذبية السياحية لشنقيط، من خلال تأهيل شباب قادر على التفاعل مع السياح الناطقين بالإسبانية، وتطوير خدمات سياحية أكثر احترافية وتفاعلية. وفي ظل تنامي الطلب العالمي على السياحة الثقافية والوجهات الأصيلة، يشكل هذا الرصيد اللغوي عنصر قوة إضافيًا يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز مكانة المدينة كوجهة دولية متميزة.
ولا تقتصر أهمية الإسبانية على بعدها التواصلي، بل تتجاوز ذلك لتكون أداة قوة ناعمة بامتياز. فهي لغة يتحدث بها أكثر من 500 مليون شخص كلغة أم، ويزيد عدد مستخدميها عن 580 مليونًا حول العالم، ما يجعلها ثاني أكثر اللغات انتشارًا من حيث المتحدثين الأصليين، ومن أبرز اللغات العالمية تأثيرًا، وثالث أكثرها استخدامًا على الإنترنت. هذا الامتداد الواسع يمنحها مكانة استراتيجية في مجالات الاقتصاد والثقافة والدبلوماسية، ويبرر تزايد الاهتمام بها في دول تسعى إلى توسيع آفاقها الدولية، مثل موريتانيا.
وتستند العلاقات الموريتانية الإسبانية إلى تاريخ من التعاون الذي فرضته الجغرافيا والمصالح المشتركة، خاصة في مجالات الصيد البحري والهجرة والتبادل الاقتصادي، غير أنها تشهد اليوم تطورًا نوعيًا نحو تعميق التعاون الثقافي والتعليمي، بما يرسخ تأثيرًا طويل المدى في تكوين الأجيال.
وفي هذا الإطار، يندرج تعليم اللغة الإسبانية في شنقيط ضمن رؤية استراتيجية تقوم على الاستثمار في الشباب، مع الحفاظ على التوازن بين الانفتاح على العالم والتمسك بالهوية الثقافية. فتعلم لغة الآخر لا يعني الذوبان فيه، بل امتلاك أدوات التواصل معه من موقع الندية.
وهكذا، فإن ما شهدته شنقيط يتجاوز حدود حدث محلي، ليشكل مؤشرًا على تحول هادئ في موقع موريتانيا ضمن العالم. ففي قلب الرمال، حيث تختلط الذاكرة بالتاريخ، يتشكل جيل جديد قادر على مخاطبة العالم بلغاته، دون أن يفقد صوته الخاص.


